مجموعة مؤلفين
44
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
فأما قوله ( ع ) : « تخففوا تلحقوا » فما سمع كلام أقل منه مسموعا ولا أكثر منه محصولا ، وما أبعد غورها من كلمة وأنقع نطفتها من حكمة . وقد أثر عن النبي ( ص ) قوله : ان من البيان لسحرا . وقصة ذلك أن عمرو بن الأهتم التميمي كان مع الزبرقان بن بدر وجماعة من دهاة العرب بحضرة النبي ( ص ) . فقال ( ص ) : انني سمعت بأن الزبرقان أفصح العرب فما تقولون فيه فقال عمرو : مطاع في أدنيه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ظهره . فقال الزبرقان : يا رسول اللّه ، انه ليعلم مني أكثر من هذا ، ولكنه حسدني . فقال عمرو : أما واللّه يا رسول اللّه إنه لزمر المروءة ( أي قليلها ) ، ضيق العطن ( أي بخيل ) ، لئيم الخال ، أحمق الوالد . وما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الأخرى ، ولقد رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وسخطت فقلت أسوأ ما علمت . فقال رسول اللّه ( ص ) : « إن من البيان لسحرا ، وان من الشعر لحكما » . ومن أكثر خطب الإمام ( ع ) تأثيرا الخطبة الغراء رقم 82 ، ومطلعها : أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام ، وشغف الأستار . . . وآخرها : قبل الضنك والمضيق ، والروع والزهوق ، وقبل قدوم الغائب المنتظر وإخذة العزيز المقتدر . قال الشريف الرضي بعد هذه الخطبة : وفي الخبر أنه لما خطب ( ع ) بهذه الخطبة ، اقشعرت لها الجلود ، وبكت العيون ، ورجفت القلوب . ومن ذلك الخطبة رقم 193 ، حين سأله همام عن صفات المتقين ، فأجابه قائلا : يا همام اتق اللّه وأحسن ( فان اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) . لكن همام الذي كان يعرف علوم علي ( ع ) لم يقنع بهذا الجواب وسأله ثانية . فلما ذكر له صفات المتقين بالتفصيل خرّ صعقا . قال ( ع ) : أما واللّه لقد كنت أخافها عليه . ثم قال : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها . هذا وان كلام علي ( ع ) يمثل قمة البلاغة ، وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد : انظر إلى البلاغة كيف تنتظم فيها الكلمات . . . ومن ذلك قوله ( ع ) في وصف عثمان وصحبه : بين نثيله ومعتلفه . فكأنه يقول : ان هؤلاء قد أضاعوا القيم الانسانية ، وأصبحوا كالحيوانات ، ليس همهم إلّا اشباع شهواتهم . ومن ذلك قوله ( ع ) في آخر الخطبة الشقشقية : « وما أخذ اللّه على العلماء ان لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم » . فأين علماء المسلمين اليوم من هذا ، وبعض الدول